اسماعيل بن محمد القونوي

179

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

ما روى مسلم رحمه اللّه عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها فلا يقاومه لقوته فلا نحتاج إلى التوجيه ويمكن الجواب بهذا عن الخبرين المذكورين أولا وإلا فمع مخالفته للحديث الصحيح يكون التعريف في أكثر المعتبرات منتقضا بذلك والتزام ذلك خارج عن الإنصاف . قوله : ( ومن فوائد الآية استقباح الاستكبار ) عبر بالفوائد لأن ذلك لا يدل عليه الآية لا عبارة ولا إشارة ولا دلالة ولا اقتضاء بل هي مستنبطة منها ولو بمعونة القرينة استقباح الاستكبار حيث علل ترك المأمور به بالعلو والتكبر وفيه زجر عظيم عن كبر لئيم لأنه من صفات رب كريم فمن نازعه فيه فقد لقي الشقاء المؤبد في دار الجحيم ( وأنه قد يفضي بصاحبه إلى الكفر والحث على الائتمار لأمره ) فإنه سبب كفر إبليس المطرود لا ترك السجود . قوله : ( وترك الخوض في سره ) وإنما قال الخوض أي التعمق والجربزة لأن طلب السر في الجملة وحسبما ساعده الشرع والعقل السليم محمود غير مردود ألا يرى أنهم حاولا بيان النكتة في الأمر بالصيام والزكاة وسائر الأحكام . قوله : ( وإن الأمر للوجوب ) أي وإن الأصل في الأمر الوجوب عند الجمهور ما لم يمنع مانع ومن أدلة كونه للوجوب هذه الآية الكريمة فإنه تعالى ذم إبليس وأنكر عليه ترك السجود بقوله تعالى : ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ [ الأعراف : 12 ] والاستفهام للإنكار الواقعي والإنكار والاعتراض إنما يتوجه إذا كان الأمر للوجوب فدلت هذه الآية الجليلة على أن الأمر حقيقة في الوجوب وفيما عداه مجاز وتمام البحث في الأصول ( وإن الذي علم اللّه من حاله أنه يتوفى على الكفر ) . قوله : استقباح الاستكبار فإنه جاء في ذم إبليس وجعل سببا للامتناع عن السجود المأمور به وأنه قد يؤدي إلى الكفر كما في هذه الصورة لأن كفر إبليس إنما كان باستقباحه أمر اللّه بالسجود لآدم الناشئ من استكباره عليه زعما بأنه أفضل منه . قوله : والحث على الائتمار لأمره أي لأمر اللّه وترك الخوض في سره أي في سر الأمر والحكمة فيه معنى الحث على الامتثال لأمر اللّه مستفاد من استحقاق الآبي عنه الذم والاكفار المدلول عليهما بقوله فسجدوا إلى وقوله وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ والحث على ترك الخوض في سر أمره تعالى مستفاد من كون خوض إبليس في سر الأمر بالسجود لآدم مؤديا إلى كفره وذمه بأبلغ ذم حيث أخطأ خائضا فيه بأن اعتقد أنه أفضل من آدم والأفضل لا يحسن أن يتخضع للمفضول وأدى ذلك إلى استقباح أمره تعالى إياه بالسجود فكفر فعلم من ذلك بطريق المفهوم أن ترك الخوض فيه والامتثال بظاهر الأمر طريق وتعليم مواقع الهلاك حث على الاحتراز عن الوقوع فيها فإن الأشياء إنما تتعرف بأضدادها ( قال الشاعر ) : عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه * ومن لم يعرف الشر من الناس يقع فيه وأن الأمر للوجوب أي مطلق الأمر للوجوب استدلالا بالجزئي وهو الأمر بالسجود ههنا على الكلي والأمر هنا للوجوب لثبوت الذم على تاركه والواجب الشرعي ما يذم تاركه .